محمد أبو زهرة
3391
زهرة التفاسير
كذلك للمشركين برجاء توبتهم ، وأن يعيشوا في صفوف المؤمنين ، ويكونوا منهم بالفعل ، لا بادعائهم ، فبين اللّه تعالى له أنه ميئوس من إيمانهم ؛ لأنهم ازدادوا كفرا وطبع على قلوبهم إذ باءت بالسوء ، وكلما جاءتهم آية ازدادوا نفاقا وكفرا ، ولذا قال تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فالأمر في معنى بيان اليأس ، كما قال اللّه تعالى لنوح عليه السلام : . . . لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ . . . ( 36 ) [ هود ] ، ومحط الخبر في قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وعدد السبعين يراد به الكثرة ، وكان العرب يستعملونه في الكثرة التي لا يحصيها عدّ . وهذا المعنى الذي اختاره ابن كثير ، فقد قال ( يخبر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار ، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللّه لهم ، وقد قيل إن السبعين مرة ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم ؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها ، ولا تريد التحديد بها ، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها ) فهذه الآية فيها بيان أنه لا يرجى إيمانهم ، فيرجى الغفران لهم ؛ لأن اللّه تعالى قد غضب عليهم ، فقال تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وعلل سبحانه وتعالى ذلك بقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولا رجاء في أن يؤمنوا كما يدل آخر الآية . ولقد قال بعض المفسرين إن ( أو ) للتخيير ، وإن الأمر للإباحة ، فأباح اللّه تعالى للنبي أن يستغفر أو لا يستغفر ، ورد ذلك المعنى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما - وأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لأزيدن على السبعين » « 1 » ولكن يقول القشيري : لم يثبت ما روى أنه قال لأزيدن على السبعين . وقد ذكر سبحانه وتعالى في ختام الآية الكريمة ما يدل على أنهم مردوا على النفاق ، وأوغلوا في الكفر فقال تبارك وتعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
--> ( 1 ) رواه البخاري : الجنائز - ما يكره من الصلاة على المنافقين ( 1336 ) عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ، وتفسير القرآن ( 4670 ) ، ومسلم : صفات المنافقين وأحكامهم ( 2774 ) عن ابن عمر رضى اللّه عنه .